المعلوماتية الحيوية: قواعد البيانات والأدوات

العدد السابع أضف تعليق

نعود في مقالة جديدة عن المعلوماتية الحيوية، ولكن هذه المرة سنخوض بالتفاصيل أكثر إن شاء الله. كما أسلفنا سابقاً فإن علم المعلوماتية الحيوية نتج من تزاوج جمهور المعلوماتية مع جمهور علوم الأحياء (طبعاً لا نقصد الأشخاص وإنما الأدوات والحاجات)، فهو يطبق من أجل إدارة المعلومات الحيوية وحل المشاكل الحيوية باستخدام تطبيقات علوم الحاسب. الإدارة طبعاً تتضمن جمع وتخزين وتحليل ومكاملة البيانات الحيوية التي يمكن أن تستخدم لاحقاً من أجل النمذجة الجزيئية واكتشاف الجينات وتحديد وظائف المورثات المكتشفة حديثاً وأخيراً دراسة العلاقة بين البنية ثلاثية البعد للبروتين ووظائف المورثة. وبالنهاية يمكننا استخدام المعلومات الناتجة عن هذه العمليات لمنع وتشخيص ومعالجة الأمراض الوراثية وتصميم الأدوية واللقاحات (مثلاً نقوم الآن بدراسة عقار لأنفلونزا الخنازير) وبالتالي تقليص عملية تطوير أدوية جديدة والكثير من الفوائد الأخرى. في هذه المقالة سنتعرف إن شاء الله على طبيعة البيانات الحيوية التي يتم الحصول عليها ونهتم بدراستها وتحليلها.

bioinfromatics_1

الخلية والحاسب: مشروع الجينوم البشري
كما يعلم معظمنا من دراستنا للعلوم في الصف الثالث الثانوي أن جسم الإنسان يتألف من مجموعة من الأجهزة الحيوية (الجهاز التنفسي، العصبي، … ) وكل جهاز حيوي يتألف من مجموعة أعضاء (القلب، الدماغ، … ) وكل عضو هو عبارة مجموعة من الأنسجة (النسيج الباطني، العصبي، العضلي، والترابطي) وكل نسيج هو عبارة عن مجموعة خلايا، وهذا هو مقصدنا. إذاً البنية الأساسية الحية لأي كائن حي هي الخلية، وما أدراك ما الخلية !

bioinfromatics_2الخلية هي عبارة عن مصنع متكامل يعمل داخله كم هائل جداً من الموظفين ويستخدم فيه أعقد أنواع الآلات الموجودة على وجه هذه البسيطة ! ولكن كل هذا الكادر الضخم والأدوات يتم إدارتهما من قبل وحدة إدارة مركزية ضمن الخلية وهي نواة الخلية التي تحتوي على لجنة إدارية معقدة جداً تضم الحموض النووية (الحمض النووي DNA والحمض الريبي RNA) بالإضافة إلى مجموعة تقنيات مساعدة تقوم بتفسير هذه الحموض إلى شيفرات معينة يتم تغذية الخلية بها لتقوم بوظائفها. سنقتصر في أمثلتنا على الإنسان ويمكن التعميم على معظم الكائنات الحية.

إذاً كيف تقوم الخلية بهذه المهام (التي لم يتم فهمها بشكل دقيق حتى وقتنا الحاضر) ؟ إن الحموض النووية الموجودة داخل نواة الخلية تمثل ما يسمى بالجينوم البشري (أو المادة الوراثية) وهي التي تحدد شكل الإنسان من حيث الصفات وتحدد كيف يقوم كل عضو بوظائفه وكيف تتناغم الأعضاء مع بعضها البعض لتنفذ وظائف الأجهزة الحيوية ومن ثم تتكامل هذه الأجهزة مع بعضها لتأدية وظائف الجسم التي نقوم بها، والبنية الأساسية للمادة الوراثية هي الحمض النووي DNA، إذاً نقطة انطلاقتنا ستكون من الحمض النووي.

يتألف الحمض النووي بشكل أساسي من سلاسل من المركبات الكيميائية تدعى النيكليوتايد Nucleotide، يتألف كل نيكليوتايد من سكر وفوسفات وأساس، ويوجد فقط أربع أنواع من الأساسات ضمن المادة الوراثية لأي كائن حي، هي: الأدنين ونرمز له ب A والغوانين ورمزه G و الثيمين ورمزه T والسيتوسين ورمزه C. هذه الرموز سنستخدمها نفسها لترميز سلاسل الحمض النووي، مثلاً: السلسلة ATGCTTAACCG هي عبارة عن سلسلة حمض نووي تتكون من 11 نيكلوتايد حيث أن الأساس في الأول (من اليسار) هو  A والثاني T وهكذا …..

إلى الآن لم يظهر لدينا مشكلة تستحق الذكر، ولكن إذا عرفنا أن الذي يتحكم بالجسم هو ما يسمى بالمورثات (الجينات) والتي هي طبعا سلاسل من الحمض النووي نستطيع أن ندرك نوعاً المشكلة التي تواجهنا!

bioinfromatics_3ولكن أين توجد هذه المورثات وكيف تتوضع داخل الخلية ؟ في الواقع إن المادة الوراثية تتمثل بما يسمى الصبغيات chromosomes  وهي موجود في نواة الخلية طبعاً وهذه الصبغيات هي عبارة عن سلاسل مضاعفة (كما موضح في الشكل) من الحمض النووي، حيث أن كل سلسلتين مزدوجتين تكملان بعضهما وفقاً لآلية معينة (أي أن A هو مكمل ل T و C هو مكمل ل G) وهذا من إعجاز الله سبحانه وتعالى في خلق الخلية حيث أنه إذا أُتلفت إحدى السلستين فيمكن بسهولة استعادتها بناء على شيفرة السلسلة الأخرى، ونسمي كل أساسين متقابلين ضمن سلسلة مضاعفة بزوج أساس Base Pair، لتوضيح الفكرة نعرض المثال التالي:

إذا كانت السلسلة الأولى هي ACGCTTAACCG فالسلسلة المكملة لها ستكون TGCGAATTGGC لدينا النيكلوتايدين الأوليين من السلسلسلتين يشكلان  زوج الأساس (A,T)، وبالتالي إذا فقدنا أي جزء من إحدى السلسلتين يمكن للخلية (باستخدام تقنيات استرجاع) أن تقوم باستعادة هذا الجزء بسهولة.

وطبعاً يوجد داخل كل خلية بشرية نسختين من كل صبغي ! حيث ان كل نسخة تكون موروثة من أحد الآباء، ويبلغ عدد الصبغيات في كل خلية من خلايا جسم الإنسان 22 زوجاً متماثلاً بالإضافة إلى زوجين مختلفين وهما الصبغيات الجنسية X و Y، ويبلغ عدد أزواج الأساس في كل خلية ما يقارب 3 مليارات زوج !!

إذاً أين موقع المورثات من هذه البنية المعقدة ؟ في الحقيقة تتوضع هذه المورثات على الصبغيات (أي انها هي أجزاء من سلاسل الحمض النووي المشكلة للصبغيات) حيث يحتوي الجينوم البشري ما يقارب 20-30 ألف مورثة.

bioinfromatics_4الآن بقي أن نفهم دور المورثات حتى تتضح لنا الصورة كاملة، إن هذه المورثات هي المتحكم الرئيسي بصفات الجسم ووظائفه فمثلاً هناك مورثات تحدد لون العيون ومورثات تحدد القدرة على التعلم ومورثات تتحكم بالجهاز العصبي وغيرها، وما يهمنا أن نعرفه هو موقع هذه المورثات على الصبغيات وسلاسل الحمض النووي لها (النيكلوتايدات المشكلة لكل مورثة)، ويجب أن نتذكر أن كل خلية تحوي كامل المادة الوراثية ولكن المورثات تعمل وفقاً لطبيعة الخلية فمثلاً في العضلات تعمل المورثات المسؤولة عن العضلات وفي الخلايا الدماغية تعمل مورثات الدماغ وهكذا … وعمل المورثة نقصد به ترجمة هذه المورثة إلى بروتين معين يقوم بتقديم الطاقة ويؤدي وظائف الخلية.

إن البروتين هو عبارة عن سلسلة أيضاً ولكن من الحموض الأمينية حيث يوجد في الخلية البشرية 20 حمض أميني تشكل ما يسمى بالشيفرة الوراثية، وطبعا دراسة سلاسل البروتين وبناها الثلاثية البعد ووظائفها يلعب دورأ هاماً في معالجة وتشخيص الأمراض وتصميم العقارات، وكمثال على إحدى سلاسل البروتين: MKLLSFKLSVIITV.

الآن بعد أن اتضحت الصورة أمامنا يمكننا تعريف مشروع الجينوم البشري الذي كان عبارة عن مشروع بحث علمي دولي يهدف إلى تحديد الأساسات (A,T,G,C) المشكلة لسلاسل الحمض النووي للصبغيات في الخلية البشرية ومن ثم تعريف 20-25 ألف مورثة ضمن الجينوم البشري وذلك من الناحيتين الفيزيائية (مواقعها على الصبغيات) والوظائفية (وظيفة كل مورثة).

 وقد بدأ هذا المشروع في عام 1990 ضمن المعهد القومي للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية وكان مقدراً للمشروع أن ينتنهي في عام 2010 ولكن قيام أحد العلماء بتطوير خوارزمية باستخدام الحاسب أدى إلى إطلاق المسودة الأولى من الجينوم البشري في 26 حزيران من عام 2000 عندما أعلِن عنها في مؤتمر صحفي مشترك للرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ولاحقاً في 2 نيسان من عام 2003 تم الإعلان عن أول نسخة شبه كاملة من الجينوم البشري، وفي أيار من عام 2006 تم الإعلان عن سَلسَلة (من الفعل sequence) آخر صبغي من الجينوم البشري !
إن مشروع الجينوم البشري أحدث ثورة هائلة في تطور المعلوماتية الحيوية، فقد كشف للعلماء الجينوم البشري بأسرع مما كانوا يتوقعون مما ساهم في تطوير أبحاث عديدة في مجال اكتشاف مورثات جديدة واكتشاف وظائف للبروتينات. ولم يتوقف العلماء عند هذا الحد بل انطلقوا إلى سلسلة الجينوم لكائنات أخرى وذلك للوصول إلى الجينوم لجميع الكائنات الحية، ولا يزال يومياً يتم اكتشاف مورثات وبروتينات جديدة بالإضافة إلى تحديد وظائف سلاسل تم اكتشافها مسبقاً !

قواعد البيانات والأدوات:
bioinfromatics_5إن التطور السريع في التقنيات المستخدمة في المخابر أدى توليد إلى كميات هائلة من البيانات وبزمن قياسي، مما وضع العلماء على خط المواجهة ليس فقط مع تفسير هذه البيانات إلى معلومات حيوية وحسب، وإنما مع تخزين هذه البيانات في قواعد بيانات منظمة بطريقة جيدة تسمح باسترجاعها بسهولة، وهذا ما أدى إلى نشوء علم المعلوماتية الحيوية الذي يطبق تقنيات الحاسب من أجل إدارة هذه المعلوماتية الحيوية، كما قام هذا العلم بتطوير العديد من الخوارزميات والبرمجيات من أجل تحليل الجينوم (بعد أن أصبح مكشوفاً أمامنا) ومقارنة سلاسل الحمض النووي وسلاسل البروتينات مع بعضها أو مطابقة سلاسل جديدة مع سلاسل مكتشفة سابقاً وذلك للوصول إلى معلومات عن وظائف السلاسل الجديدة دون الحاجة إلى استخدام التجارب المخبرية (والتي قد تستغرق شهوراً).

إذاً مع هذا التطور السريع في علم المعلوماتية الحيوية أصبح بإمكان العلماء التحكم بالجينوم بسهولة فمثلاً أصبح بإمكاننا تحديد مواصفات المولود ابتداءً من الخلايا الجذعية لنحصل على مولود خال من جميع الأمراض الوراثية، وقريباً سيتم إطلاق ما يسمى الجينوم الذاتي Self-genome (بالأحرى تم إطلاقه) وقد تم عرضه في معرض الأبحاث الحيوية في جامعة بولونيا حيث يمكنك الحصول على الجينوم الخاص بك بمبلغ لا يتجاوز المئة يورو !!! وهذا بالطبع يساعد الأطباء على تشخيص الأمراض بشكل دقيق جداً ووصف الأدوية المناسبة جداً للمريض.

bioinfromatics_6وعلى الرغم من أن بعض قواعد البيانات (ضمنياً نقصد مخازن المعطيات أيضاً) هي خاصة وتجارية إلا أن معظم قواعد البيانات التي تحوي معلومات منظمة بشكل عال هي قواعد بيانات مجانية ويمكن الوصول إليها بسهولة عن طريق الانترنت، فيوجد قواعد بيانات مخصصة لسلاسل الحموض النووية والبروتين وذلك ابتداءً من الإنسان والقوارض والنباتات والحشرات والفطور إلى الباكتريا ! قواعد البيانات هذه تخزن معلومات عن علم الوراثة البشري وخرائط الصبغيات (عدد الصبغيات ومعلومات عنها) وعوامل ترجمة الحمض النووي وسلاسل شعاع الاستنساخ ومواقع البروتين ونماذجها والأمراض الوراثية البشرية والنماذج الجزيئية للبروتين (النماذج الرياضية للخصائص الجزيئية) وصور الرنين المغنطيسي النووي لبنى البروتين وأخيراً تحوي قواعد البيانات معلومات البنى الفراغية 3D للعقارات بالإضافة إلى قواعد بيانات مختصة بمقالات طبية عن الأمراض المكتشفة، ويوجد كم هائل من قواعد البيانات في هذا المجال.

أما بالنسبة للأدوات فهي متوفرة كوفرة قواعد البيانات، حيث يوجد الكثير من الأدوات المجانية على الانترنت فمنها ما يستخدم لاسترجاع معلومات متكاملة من قواعد البيانات الحيوية (باستخدام التنقيب عن المعطيات ومعالجة اللغات الطبيعية) ومنها ما يستخدم لتحليل البيانات المسترجعة مثلاً هناك أدوات تستخدم لمقارنة سلاسل الحموض النووية والبروتين (باستخدام خوارزميات المحاذاة Alignment) ومنها من أجل النمذجة الجزيئية ومنها من أجل التنبأ بوظائف وبنى البروتين (باستخدام الشبكات العصبية ونظرية بييز للمخططات Graphs) ومنها ما يستخدم للتنبأ بطريقة ترجمة الحمض النووي إلى بروتين ومنها مايستخدم لمعالجة صور الرنين المغناطيسي (باستخدام خوارزميات معالجة الصورة) والعديد من الأدوات المفيدة.

الخاتمة:
في هذه المقالة “المطولة” حاولت أن أضع القارئ على الدرجة الأولى من سلم المعلوماتية الحيوية وذلك لتشجيع الطلبة من رواد الهندسة المعلوماتية وقراء هذه المجلة للتوجه نحو هذا العلم الذي يشيح بثورة معلوماتية ضخمة في مجال هندسة البرمجيات والذكاء الصنعي والشبكات أيضاً. ويكفي أن تعلم عزيزي القارئ أن هذا العلم يدمج بين متعة الحياة عند تعاملك مع الكائنات الحية ومتعة المعلوماتية عند تطبيقها بشكل غير تقليدي !!
إن شاء الله في المقالات القادمة ساحاول التطرق إلى جوانب أخرى في المعلوماتية الحيوية، دمتم في رعاية الله.

المراجع:

[1] http://phobos.ramapo.edu/~pbagga/binf/binf_online_lab/frame_db_tools.htm
[2] http://en.wikipedia.org/wiki/Human_Genome_Project

إعداد: م. منذر الحمدوش
جامعة بولونيا – إيطاليا

2 عدد التعليقات على “المعلوماتية الحيوية: قواعد البيانات والأدوات”

  1. الاء حمدان يعلق:

    مرحبا
    شكرا كتير للمهندس وباتمنى التقدم والنجاح لك
    ان شاء الله
    موفققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققققق
    الاء حمدان

  2. الباحث عن الحقيقة يعلق:

    سبحان الله

أضف تعليق.

اشترك بدون كتابة تعليق

كافة الحقوق محفوظة لموقع مجلة كلية الهندسة المعلوماتية © 2010
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | تسجيل الدخول