< دانيا الصغير >
إنها سيدة انتقلت مع زوجها الضابط إلى صحراء موحشة, فضاقت ذرعاً بعيشها, وهمّت بترك زوجها وحده والعودة إلى أهلها. قالت هذه السيدة : “ولكن خطاباً ورد إلي من أبي تضمن سطرين, سطرين اثنين سأذكرهما ما حييت لأنهما غيّرا مجرى حياتي وهذان هما: من خلف قضبان السجن, تطلّع إلى الأفق اثنان من السجناء, فاتجه أحدهما ببصره إلى وحل الطريق بينما تطلع الآخر إلى نجوم السماء. تقول السيدة : تلوت هذه الكلمات وأعدت تلاوتها مراراً, فخجلت من نفسي وعوّلت أن أتطلع غلى نجوم السماء.
إن أكثرنا يتبرّم بالظروف التي تحيط به وقد يضاعف ما فيها من نقص وحرمان ونكد, مع أن المتاعب والآلام هي التربة التي تنبت فيها بذور الرجولة, وما تفتقت مواهب العظماء إلا وسط ركام المشقات والجهود.
وفي هذا يقول (ديل كارنيجي), كلما ازددت توغلاً في دراسة الأعمال العظيمة التي أنجزها بعض النوابغ ازددت إيماناً بأن هذه الأعمال كلها ما تمت إلّا بدوافع من الشعور بالنقص, هذا الشعور الذي حفزهم على القيام بها واجتباء ثمارها. فمن المحتمل أن الشاعر “ملتون ” لم يكن ليقرض شعره الرائع لو لم يكن أعمى وأن “بيتهوفن” لم يكن ليؤلف موسيقاه الرفيعة لو لم يكن أصم.. إن هؤلاء المصابين لم يجسموا مصائبهم ثم يطوفوا حولها معولين منتحبين, ولم يدعوا ألسنتهم تلعق ما في واقعهم المر من غضاضة. بل قبلوا الواقع المفروض, ثم تركوا العنان لمواهبهم تحول محنتهم إلى منحة أو تحول ما فيها من كدر وطين إلى ورود ورياحين.
وتلك هي دعائم العظمة أو هذا هو تحويل الليمونة الحامضة إلى شراب سائغ كما يقول كارينجي أو كما نقل عن إيمرسون في كتابه “القدرة على الإنجاز” حيث تساءل :
“من أين أتتنا الفكرة القائلة بأن الحياة الرغيدة المستقرة الهادئة الخالية من الصعاب تخلق سعداء الرجال أو عظماءهم ؟!”
فالعكس هو الصحيح هنا, إذ أن الذين اعتادوا الرثاء لأنفسهم سيواصلون الرثاء لأنفسهم ولو ناموا على الحرير, وتقلّبوا في الدّنقس, أمّا أصحاب اليقين وأولوا العزم فهم يلقون الحياة بما في أنفسهم من رحابة قبل أن تلقاهم بما فيها من عنت .
وكما يفرز الجسم عصارة معينة لمقاومة الجراثين الهاجمة, يفرز هؤلاء معان ٍ خاصة تمتزج بأحوال الحياة فتعطيها موضوعاً وعنواناً جديدين كما فعلت السيدة التي ذكرتها في البداية.
ولقد عُرِف تفاوت الهمم باختلاف الطاقات في الإفادة من الشدائد والكسب من الظروف الحرجة أو كما قال ويليم بوليثو : “ليس أهم شيء في الحياة أن تستمر مكاسبك, فإن أي أبله يسعه أن يفعل هذا, ولكن الشيء المهم حقاً في الحياة هو أن تحيل خسائرك إلى مكاسب فهذا أمر يتطلب ذكاء وحذقاً وفيه يكمن الفارق بين الرجال ”
فهذا عبد الله بن عباس قد فقد عينيه لكنه قبِل القسمة المفروضة, ثم أخذ يضيف إليها ما يهون المصاب ويبعث على الرضا فقال:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
ولاشك أن تلقي المتاعب والنوازل بهذه الروح المتفائلة وهذه الطاقة على استئناف العيش أجدر من مشاعر الانكسار والانسحاب التي نراها عند صالح بن عبد القدوس لما فقد بصره حيث قال :
على الدنيا السلام فما لشيخ ضرير العين في الدنيا نصيب
يموت المرء وهو يعد حيّاً ويخلف ظنه الأمل الكــــذوب
ونحن نمس الرقة لهذا الفؤاد الجريح غير أنه خير لصاحبه أن ينهض ويسير ويضاعف الإنتاج في الحياة من مواهبه الاخرى.
18 كانون الثاني, 2010 في الساعة 12:40 ص
اصنع من الليمون الحامض شرابا حلواً .. كلام رائع جدا جدا
شي انا بهاللحظة محتاجة جدا أقرأو.. لأنو عنجد كنت محتاجة حدا يضويلي شمعة بهالأيام